بسم الله الرحمن الرحيم
نداء إلى دعاة الوحدة و التضامن العربي و الإسلامي
من قلب مليء بالأسى على واقع أمتنا الحالي ، من قلب يعشق الحق و الحرية و الاعتدال و الوسطية و يكره الأنانية و الظلم و سرقة جهود و أدوار الآخرين ، من قلب شم رائحة العبودية لله تعالى و محبة حبيبه محمد صلى الله عليه و سلم و ذاق طعم الحرية ، سوف أعتصر كلمات - و أرجو من الله أن تكون موفقة لأنها نابعة من القلب – تعبر عن رؤيتي للعقبة الكبرى التي تقف في طريق التضامن و الوحدة العربية و كذلك القفزة الأولى و الكبرى باتجاهها فعسى أن تكون بمثابة كلمة حق ألقى بها ربي و شمعة أضيئها في هذا النفق المظلم فلعل أصحاب العقول النيرة و القلوب التي فيها حرقة على واقع أمتنا يضيفوا إليها و يطوروها .
فأقول و بالله و التوفيق :
العقبة الكبرى في طريق الوحدة و التضامن العربي و الإسلامي و الحل المقترح :
إن العقبة الكبرى قي طريق الوحدة و التضامن العربي هو عدم الاهتداء إلى الدولة المحورية ذات الوزن الثقيل في منهجها و موقعها و حسن سياستها و إمكاناتها والتي يجب أن يلتف حولها العرب و يبنوا حولها وحدتهم ، فالدعوة للوحدة أو التضامن العربي و الإسلامي دون معرفة و تحديد الدولة المحورية التي يجب أن تبنى حولها سوف يكون جرياً وراء السراب و مزيداً من الفرقة و الضياع .
ثم إن عدم الاهتداء إلى هذا المحور سببه عدم و ضع موازين و معايير سليمة و منطقية و واقعية و عملية تقرها عقلاء الأمة و معروفة لعامتها - بعيدا عن الشعارات و الخطب الرنانة التي سئمها الناس و لم تعد تنطلي إلا على المغفلين و أصحاب المصالح الشخصية – يتم من خلالها تقييم و تحديد الدولة المؤهلة للعب دور محوري و قيادي في المنطقة و تسليمها زمام القيادة حتى تنتشل هذه الأمة وتأخذها إلى بر الأمان .
و نتيجة لعدم الاهتداء لهذا المحور سادت نظرية القائد الملهم لدى الأغلبية و أصبح كل قائد عربي يدعي أنه المحور الذي يجب أن يسير خلفه الآخرون دون وجود ما يدل على ذلك على أرض الواقع و سادت الفرقة و التنازع .
ثم يجب أن ندرك أن هناك من لا يريد الاهتداء إلى هذا المحور إذا شعر أنه سوف لا يقع عليه الخيار بسبب سوء تقدير منه بأنه سوف تتضرر مصالحه الشخصية و لأنه يعجبه سرقة دور الآخرين و بسبب غلبة النزعة الإبليسية عليه ( أنا خير منه ) و بسبب غلبة الهوى و الغرور و الشهوات ، فعلى هؤلاء أن يعودوا إلى رشدهم و يعلموا أن الأمر جد و خطير و سوف يحرق الأخضر و اليابس و أن عزهم الحقيقي هو بوحدة الأمة و تضامنها و هو الذي يدوم و يخلده التاريخ و أن هذا العز الوهمي الذي يعيشونه هو مؤقت و سوف يلعنهم التاريخ لأنهم يقومون بإثارة المشاكل هنا و هناك و بعد ذلك يقومون بحلها بعد توسط الوسطاء فيخيل إليهم أنهم لاعبون دوليون و أنهم رقم صعب في المنطقة و يشبعوا رغبتهم في حب الظهور و التغني بالانتصارات الوهمية و لكنهم لم يتنبهوا إلى أنه لا يمكن طمس الحقيقة إلى الأبد و أن الأمور في الوقت الحاضر لم تعد كما كانت في العقود الماضية بسبب زيادة الوعي و هذه الثورة الإعلامية فلا تنطلي إلا على المغفلين و أصحاب المصالح الضيقة.
لذلك فإني أقترح تشكيل لجنة من عقلاء الأمة المشهود لهم بالنزاهة و رجاحة العقل و الاعتدال و عدم محاباة الحكام و أن تكون هذه اللجنة معتمدة من قبل قادة الأمة و تقوم هذه اللجنة بوضع المعايير التي يتم من خلالها تقييم الدول و تعيين الدولة المحورية و على الدول القبول بالنتائج التي تتوصل لها هذه اللجنة و العمل بموجب هذا الإقرار و استحقاقاته و ذلك بان يعترف بها الجميع و يلمعوا صورتها التي شوهوها لدى شعوبهم و يسيروا خلفها ويدرسوا تجربتها الناجحة و يستفيدوا منها و يطبقوها على مجتمعاتهم بغية إصلاح الخلل الذي أصاب المجتمعات العربية في تفكيرها و سلوكها و أخلاقها بسبب تطبيق مناهج ودساتير لا تناسبها و الوصول إلى مجتمع عربي أكثر تجانسا و انسجاما و إذا كان على هذه الدولة المحورية بعض المآخذ فيتم تقديم النصح و المشورة لها لتصحيح المسار ، وهذا لا يعني إلغاء دور و خصوصية كل دولة بل ربما يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل و العلاقة تكاملية بينهم فلا يمكن لدولة بمفردها أن تقف في وجه التحديات الحالية الكبيرة و العز و الخير المتوقع من هذا التضامن سوف يعود على الجميع و ليس على الرأس فقط و لكن هذه سنة الله في الحياة لا بد من رأس و إذا فقد الرأس ضاعت الأمة.
وأؤكد على موضوع كون هذا المحور دولة قائمة و معترف بها دولياً و موثوقة ، فهذه الدولة تكون بمثابة نقطة التقاطع بين المصالح الغربية و المصالح العربية و الإسلامية بسبب نهجها السلمي تجاه جميع دول العالم و فهمها للعبة الدولية ولعبة المصالح بالإضافة إلى تمسكها بالإسلام المعتدل الذي لا يخيف الآخرلأن أي مسعى لإقامة دولة جديدة على أسس إسلامية سوف يلاقي هذا المشروع معارضة دولية و إقليمية شديدة و سوف يحارب بكل الأشكال و السبل لإجهاضه قبل أن يرى النور و حتى إن رأى النور فلن ينعم الناس بثمرته و ربما ينقلبون عليه ، بسبب الوضع الدولي البالغ التعقيد حالياً ، و سوف تسيل دماء غزيرة و تحصل كوارث إنسانية و مشاكل اقتصادية و اجتماعية لا طاقة للناس باحتمالها و خاصة أنهم غير مهيئين لذلك معنوياً و إيمانياً ، لأن تلك الدولة الجديدة سوف تكون محل شك و توجس من قبل الكثيرين بينما هذه الدولة القائمة فهي دولة مجربة و معروفة من قبل الآخرين بتوجهها السلمي فانضواء الجماعات و البلدان تحت جناحها لن يخيف أحد خاصة إذا عملوا بتوجيهاتها ونسقوا معها في تصرفاتهم و استفادوا من خبرتها وتجربتها في ذلك .
المعايير التي يسود من خلالها الأشخاص و المجتمعات و الدول :
بجهد متواضع مني و بكل حيادية و موضوعية أقترح هذه المعايير و المفاهيم لتقييم الدولة المحورية التي تحدثت عنها سابقا :
1- أصبح من المعروف لدى غالبية الأمة و من خلال دراسة التاريخ و استقراء الحاضر و معرفة خصوصية الأمة أن العروبة و الإسلام وجهان لعملة واحدة و بالتالي فإن عملية الفصل بينهما ستفقدها قيمتها و تؤدي إلى خلخلة و ضعف و فساد إداري و أخلاقي و انحراف في التفكير و ضعف في الحس الوطني في ذلك المجتمع و بالتالي فالدولة التي جمعت بينهما في جميع نواحي الحياة في الجيش و الدوائر الحكومية و المدارس و الجامعات و الأماكن العامة و الخاصة و بنجاح ، تحتسب لها درجة في الأهلية للدولة المحورية .
2- و من المعلوم أيضاً أننا نعيش مرحلة ضعف و لا أحد يستطيع إدعاء الكمال فالأخطاء كثيرة و الضغوط كبيرة و المخاطر جمة و الوضع معقد و بالتالي في هكذا وضع يتم اختيار الأقل أخطاء و الأصلح و أفضل الموجود وفق معايير واقعية لا وفق شعارات و خطابات رنانة و نزعة (أنا خير منه).
3- و من المعلوم أيضاً أن لكل أمة مقدسات تبذل دونها الغالي و النفيس و بالتالي فالدولة التي تضم مقدسات هامة و لها موقع جغرافي هام لها ميزة و خصوصية و تحتسب لها درجة في عملية الاختيار .
4- و من المعلوم أن الأصل التاريخي له أثر و مكانة لدى الأمم و النهر عند المنبع أصفى من مصبه و بالتالي فالدولة الأقرب إلى منبع العروبة و الإسلام لها خصوصية و تحتسب لها درجة .
5- و من المعلوم أيضاً أن الذي عنده تجربة ناجحة في أي مجال أحق أن يكون مثالا يحتذى به و بالتالي فالحكومة التي استطاعت توحيد بلدها و حافظت على هذه الوحدة و هذه الأرض طيلة الفترة الماضية و تتمتع بشعبية واسعة تحتسب لها درجة .
و كذلك الدولة التي تعرضت لفتنة العنف المسلح و استطاعت السيطرة عليه و حالت دون توسعه و عالجته بحكمة و دون المساس بحرية و كرامة الأبرياء و دون إراقة كم هائل من الدماء و دون انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان و دون معادة الإسلام الذي تتستر به هذه الجماعات المسلحة ،لها درجة أيضاً .
6- و من المعلوم أيضا أنه لا بد لحماس الشباب من حكمة الشيوخ حتى تستقيم الأمور و أن كبير السن يعتبر خزان كبير من التجارب و يتمتع بالحلم و الأناة و عمق الإيمان فالدولة التي حاكمها أكبر سناً ومشهود له بالمروءة و الشهامة و الحكمة لها درجة في الاختيار .
7- و من المعلوم أيضا أن صاحب الإمكانات المادية و البشرية الكبيرة أكثر قدرة على العطاء و الفعل و له مكانة خاصة بين الناس و بالتالي فالدولة ذات الإمكانات الأكبر تحتسب لها درجة .
8- و من المعلوم أن الذي يحافظ على قيمه و عادته و تقاليده الأصيلة و يعتز بها رغم رياح التغيير العاتية و الضغوط الهائلة يحترمه الآخرون بخلاف الذي يذوب في الآخر و بالتالي فإن الدولة الأكثر حفاظا على العادات و التقاليد العربية و الإسلامية الأصيلة و ذلك في الملبس و المسكن و المظهر العام و العلاقات الاجتماعية و ........لها درجة .
9- و من المعلوم أيضا أن الذي يرعى و يدعم و يهتم بمقدسات الأمة و قضاياها العادلة له خصوصية و بالتالي فالدولة الأكثر دعما لمقدسات و قضايا المسلمين لها درجة .
10- و من المعلوم أيضا أنه بالحلم و البذل يسود الأشخاص في مجتمعهم فالدولة الأكثر تسامحاً و بذلاً لجميع شعوب الأمة و يستفيد منها جميع شعوب الأمة لها درجة في الاختيار .
11- ومن المعلوم أيضاً أن الذي يهتم بالإصلاح بين الناس و يحرص على لم الشمل و يبذل الكثير من أجل ذلك له خصوصية في مجتمعه و بالتالي فالدولة التي لهل جهود كبيرة في الإصلاح و لم الشمل و إنشاء و دعم المنظمات و الهيئات و المجالس و المراكز الإسلامية و العربية لها درجة .
12- و من المعلوم أيضا أن الذي يمتلك علاقات عامة قوية و كثيرة مع الآخرين فهو يمتلك كنز ثمين يستطيع من خلاله تحقيق الكثير من المصالح لمجتمعه و بالتالي فالدولة التي تتميز بعلاقات ممتازة مع أغلب دول العالم فإن لها درجة أيضا .
13- و من المعلوم أيضا أن الذي فيه خير لأهله و بلده فيه خير للآخرين بخلاف الآخر و بالتالي فالحكومة التي طورت بلدها أكثر خلال السنوات الماضية و هذا ظاهر يعرفه كل من له عقل حر و بالتالي لها درجة .
14- ومن المعلوم أن الذي يستطيع الاندماج في مجتمعه رغم التناقضات الكثيرة مع الثبات على منهجه يدل على إرادة صلبة و مهارة عالية و فطنة و حكمة جديرة بالتقدير و بالتالي فالدولة الأكثر ثباتا على المنهج الإسلامي قولا و عملا و اندمجت في المجتمع الدولي بنجاح لها درجة .
15- و من المعلوم أيضا أن الذي يحافظ على الصداقات و يرعى الود و لم يمكر بأحد ولم يتدخل في شؤونهم خاصة جيرانه الأصغر منه و أعداؤه قليلون جدير بالثقة و الاحترام ويدل على طيب معدنه و عدم وجود نزعة تسلطية لديه و رغبة في الهيمنة على الآخرين بخلاف الآخر فالدولة الأكثر حفاظا على صداقاتها وودها و خاصة مع جيرانها جديرة بالثقة وأهل لتسليمها زمام الأمة و بالتالي لها درجة .
16- و من المعلوم أيضا أن الكرامة و المعتقد أغلى ما يملكه الإنسان و بالتي الذي يحافظ على كرامة الآخرين يدل على إنسانيته و بالتالي فالدولة الأكثر حفاظا على كرامة مواطنيها و اهتماما بهم في الداخل و الخارج لها درجة و المعيار في ذلك الشعور الذي ينتابك عندما ترعى أمن هذه الدولة .
17- و من المعلوم أيضا أن الذي يقدر و يرعى و يكرم علماء الأمة و ينزلهم المنزلة اللائقة بهم باختلاف تخصصاتهم و يفسح لهم المجال حتى يعطوا و تستفيد منهم الأمة يدل على نضج الوعي لديه و رغبته في التطويرو شعوره بأهميتهم بخلاف الآخرين الذين يطردون هذه العقول و بالتالي فالدولة الأكثر رعاية لهذه العقول و استقطابا لها و تكريما لها تحتسب لها درجة .
18- ومن المعلوم أيضا صحة القاعدة التي تقول علينا بالظاهر و الله يتولى السرائر و إلا إذا ذهبنا نتجسس على عورات بعضنا و نستمع إلى القال و القيل بدون أدلة فسوف ندخل في متاهة لا نخرج منها أبدا و سوف ينتهي بنا الأمر إلى مزيد من الفرقة و الضياع فلئن تجتمع الأمة على رجل ولو غير كفؤ خير من أن لا تجتمع .
19- و من المعلوم أيضا أن من يرتدي عباءة الدين لأهداف غير نبيلة و كذلك من يرتدي ثوب الألوهية فسوف يفضحه الله على رؤوس الأشهاد و ينتهي أمره إلى الفشل و الخذلان فالدولة التي ترفع راية التوحيد عاليا طيلة العقود الماضية و أمرها من نجاح إلى آخر فيدل على صدق نواياها إن شاء الله و بالتالي فلها درجة .
نتيجة تقييم الدولة العربية و الإسلامية القيادية :
بعرض الدول العربية على هذه المعايير و الموازين الريادية السابقة الذكر- حسب معرفتي- و بإمكان القراء و المفكرين و الباحثين أن يقوموا بهذا التقييم و أن يضيفوا و يحذفوا ما يرونه من هذه المعايير و الضوابط البديهية للريادية بشرط التجرد و الموضوعية و المنطقية و البعد عن (أنا خير منه) فسوف يرجح ميزان المملكة العربية السعودية و بلا منازع و بالتالي إذا ثبت أن السعودية هي صاحبة الحق في هذه المكانة القيادية في الأمة العربية فإن التجني على هذه المكانة سوف يبوء بالفشل الذريع و الخذلان لأنه غير شرعي بسبب أخذ منصب لمن ليس أهل له و هذا سوف يعود بالضرر على جميع الأمة لأننا نعيش في سفينة واحدة و بالتالي فيجب على جميع القادة و الشعوب العربية الاصطفاف حول السعودية بصدق و إخلاص و عزيمة و العمل بإرشاداتها المحقة و الاستفادة من تجربتها الغنية و يجب على المفكرين و العلماء و قادة المجتمع الإعلان عن هذا الأمر و الدعوة إليه بكل وضوح و جرأة عبر جميع و سائل الإعلام المرئي و المسموع و المقروء و ذلك لأهمية الأمر و دقة الظروف التي نعيشها وخطرها فالأمة بدون رأس سوف تضيع و ينتهي أمرها إلى مزيد من الضعف و الخذلان و لئن تجتمع الأمة على رجل و لو كان غير كفؤ خير من أن لا تجتمع .
و إنني أحسب و أكاد أجزم بأن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله إذا لمس صدق النوايا فسوف يتخذ مواقف مشرفة تغير مجرى الأحداث في المنطقة و ذلك لما يتمتع به من المروءة و الشهامة و الشجاعة و الحكمة .
هذا ما توصلت إليه و ألقي بالمسؤولية على عقلاء الأمة و قادتها و ما توفيقي إلا بالله و هو الهادي إلى سواء السبيل .